الشوكاني

380

فتح القدير

وما ، يعبر به عن الواحد والجمع ، يقال : خضت الماء أخوضه خوضا وخياضا ، والموضع مخاضة ، وهو ما جاز الناس فيه مشاة وركبانا ، وجمعها المخاض والمخاوض ، ويقال منه خاض القوم في الحديث وتخاوضوا فيه أي تفاوضوا فيه والمعنى : خضتم في أسباب الدنيا واللهو واللعب ، وقيل في أمر محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالتكذيب : أي دخلتم في ذلك ، والإشارة بقوله ( أولئك ) إلى المتصفين بهذه الأوصاف من المشبهين ، والمشبه بهم ( حبطت أعمالهم ) أي بطلت ، والمراد بالأعمال ما عملوه مما هو في صورة طاعة ، لا هذه الأعمال المذكورة هنا فإنها من المعاصي ، ومعنى ( في الدنيا والآخرة ) أنها باطلة على كل حال : أما بطلانها في الدنيا فلأن ما يترتب على أعمالهم فيها لا يحصل لهم بل يصير ما يرجونه من الغني فقرا ، ومن العز ذلا ، ومن القوة ضعفا ، وأما في الآخرة فلأنهم يصيرون إلى عذاب النار ولا ينتفعون بشئ مما عملوه من الأعمال التي يظنونها طاعة وقربة ( وأولئك هم الخاسرون ) أي المتمكنون في الخسران الكاملون فيه في الدنيا والآخرة ( ألم يأتهم ) أي المنافقين ( نبأ الذين من قبلهم ) أي خبرهم الذي له شأن ، وهو ما فعلوه وما فعل بهم ، ولما شبه حالهم بحالهم فيما سلف على الإجمال في المشبه بهم ذكر منهم ههنا ست طوائف قد سمع العرب أخبارهم ، لأن بلادهم وهي الشام قريبة من بلاد العرب ، فالاستفهام للتقرير ، وأولهم قوم نوح وقد أهلكوا بالإغراق ، وثانيهم قوم عاد وقد أهلكوا بالريح العقيم ، وثالثهم قوم ثمود وقد أخذوا بالصيحة ، ورابعهم قوم إبراهيم وقد سلط الله عليهم البعوض ، وخامسهم أصحاب مدين وهم قوم شعيب وقد أخذتهم الرجفة . وسادسهم أصحاب المؤتفكات وهي قرى قوم لوط وقد أهلكهم الله بما أمطر عليهم من الحجارة ، وسميت مؤتفكات لأنها انقلبت بهم حتى صار عاليها سافلها والائتفاك الانقلاب ( أتتهم رسلهم بالبيات ) أي رسل هذه الطوائف الست ، وقيل رسل أصحاب المؤتفكات لأن رسولهم لوط وقد بعث إلى كل قرية من قراهم رسولا ، والفاء في ( فما كان الله ليظلمهم ) للعطف على مقدر يدل عليه الكلام : أي فكذبوهم فأهلكهم الله فما ظلمهم بذلك ، لأنه قد بعث إليهم رسله فأنذروهم وحذروهم ( ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) بسبب ما فعلوه من الكفر بالله وعدم الانقياد لأنبيائه ، وهذا التركيب يدل على أن ظلمهم لأنفسهم كان مستمرا . وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( يأمرون بالمنكر ) قال : هو التكذيب ، قال : وهو أنكر المنكر ( وينهون عن المعروف ) شهادة أن لا إله إلا الله والإقرار بما أنزل الله ، وهو أعظم المعروف . وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ( ويقبضون أيديهم ) قال : لا يبسطونها بنفقة في في حق . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله ( نسوا الله فنسيهم ) قال : تركوا الله فتركهم من كرامته وثوابه . وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ( كالذين من قبلكم ) قال : صنيع الكفار كالكفار . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال : ما أشبه الليلة بالبارحة ( كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة ) إلى قوله ( وخضتم كالذي خاضوا ) هؤلاء بنو إسرائيل أشبهناهم ، والذي نفسي بيده لنتبعنهم حتى لو دخل رجل جحر ضب لدخلتموه . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عنه في قوله ( بخلاقهم ) قال : بدينهم وأخرجا أيضا عن أبي هريرة قال الخلاق الدين : الدين . وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله ( فاستمتعوا بخلاقهم ) قال : بنصيبهم في الدنيا . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله ( وخضتم كالذي خاضوا ) قال : لعبتم كالذي لعبوا . وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ( والمؤتفكات ) قال : قوم لوط ائتفكت بهم أرضهم ، فجعل عاليها سافلها .